الدكتور أحمد الصفار
عند تناول حديث الكساء من زاوية تربوية واجتماعية، لا يمكن الاكتفاء بسطحية الخطاب الوعظي الذي يختزله في محض رواية روحية؛ فالحديث يكشف — إذا قُرئ بوعي نقدي — عن بنية قيمية مركّبة تتجاوز دائرة القداسة إلى بناء نموذج أخلاقي للعلاقة داخل الأسرة والمجتمع. فمن جهة، يبّرزُ الحديث قيمة المودّة الرعائية بين النبي وأهل بيته، بما تمثله من نموذج لعلاقة تقوم على الاحتضان والاعتراف بالآخر داخل دائرة القرب، وهي قيمة يمكن إسقاطها تربويًا على بناء أسر غير سلطوية. ومن جهة ثانية، يحمل الحديث دلالة على الاصطفاء القيمي لا الوراثي؛ إذ لا يُقدَّم أهل الكساء بوصفهم أشخاصًا محميين بالنسب فقط، بل بوصفهم حَمَلة مسؤولية أخلاقية واجتماعية، ما يفتح الباب أمام نقاش جدلي حول أنّ الفضيلة ليست امتيازًا تلقائيًا، بل التزامًا وأداءً. كما يستبطن الحديث قيمة وحدة الهوية الجماعية التي تنعقد حول مفهوم الطهارة المعنوية، وهو مفهوم قد يُقرأ تربويًا باعتباره دعوة لبناء مجتمع يقوم على الصفاء الداخلي لا على الانقسام والاحتراب. غير أنّ هذا التأويل يصطدم، استقصائيًا، بإمكانية تحويل الحديث إلى رمز إقصائي إذا فُسِّر تفسيرًا طائفيًا، ما يجعل القيم التربوية المستخلصة منه مرتهنة دائمًا لطريقة قراءة النص: قراءة توحّد، أو قراءة تفصل. وهنا يكمن التحدي التربوي الحقيقي: كيف نحول نصًا -مثل حديث الكساء- ذي حمولة رمزية عالية إلى قيمة تربوية جامعة لا إلى هوية مغلقة؟
فبدل أن يُعامل النص بوصفه علامة على التميّز أو الانغلاق، يُعاد تقديمه كنموذج سلوكي يُبرز الرحمة، ووحدة الأسرة، وتعظيم الأخلاق، ومسؤولية القدوة. وعندما تُفصل الرمزية عن الاستخدام الطائفي، ويُنظر إلى النص باعتباره تمثيلًا لقيمة أخلاقية قابلة للتعميم لا شعارًا للانتماء المغلق، يتحوّل إلى مصدر للتربية المشتركة. وهنا تكمن الحكمة: أن نُخرج النص من دائرة «نحن» و «هم» إلى دائرة «ما الذي يُعلّمنا إياه؟»، وأن نستخدم رمزيته لتعميق الإنسانية لا لتعميق الحدود.ويمكن أن نُحوّل النص من شعارٍ إلى منهج، ومن علامة تمَيُّز إلى قيمة تُهذّب الروح وتبني المجتمع