هندسة الوعي: من صناعة الجهل إلى تصنيع القبول — قراءة في ضوء القرآن والسيرة و التاريخ والحاضر

الدكتور أحمد الصفار

أنّ تشكيل الوعي عبر التاريخ اعتمد نمطين متداخلين: صناعة الجهل و تصنيع القبول. ففي السياق المكي، انتهجت قريش أسلوبًا إعلاميًا منظّمًا هدفه إعاقة انتشار الرسالة الجديدة من خلال بثّ التشويش وتشويه الحقائق وخلق مناخ يبعد الناس عن الاستماع إلى القرآن. وقد مثّل قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ مثالًا واضحًا على محاولة صرف الجمهور عن مصادر المعرفة التي تهدّد البنية الفكرية القائمة. وأسهمت هذه الممارسات في ترسيخ جهل مقصود يجعل الرأي العام تابعًا، ويحول دون تكوّن رؤية معرفية مستقلّة؛ الأمر الذي يمكن اعتباره صورة مبكرة من السعي للسيطرة على المعلومة لخدمة مصالح القوى السائدة.

ويتّضح النهج ذاته في التجربة الأوروبية الوسيطة، حيث فرضت الكنيسة سيطرة كاملة على النصوص الدينية، وأحكمت تفسيرها داخل إطار مؤسسي مغلق. وقد تحقّق ذلك عبر منع ترجمة الكتاب المقدس، وملاحقة المصلحين، وتقييد حركة النشر، ومحاكمة العلماء، مما أدى إلى إعادة إنتاج منظومة معرفية تُقصي التفكير الحر وتمنع بروز وعي نقدي. وفي العصر الحديث، كما يوضّح نموذج تشومسكي وهيرمان في “تصنيع القبول”، انتقلت هذه الآليات إلى وسائل الإعلام التي تستخدم أدوات أكثر تطورًا لتوجيه الرأي العام بما يخدم مراكز النفوذ. وهكذا يتّضح أن التحكم بالمعلومة، عبر مختلف الأزمنة، يشكّل أساسًا في عملية تشكيل الوعي الجماعي والتحكم بمساره.


تحميل البحث