المختصر في سر غياب المنتظر فلسفة امتلاء الأرض بالظلم والجور

تتفق الشرائع السماوية جميعها على هدفٍ جوهري هو بناء مجتمع يقوم على القيم الأخلاقية الرفيعة، واحترام الحقوق والواجبات، وتهذيب النفس البشرية حتى لا تنقاد لشهواتها في الظلم والاستعلاء والتسلط. فإذا انفلتت النفس من الضوابط القيمية، تحوّل الظلم إلى ظاهرة اجتماعية تتجذر في بنية المجتمع، وتشتد خطورتها حين يُشرعَنُها أصحاب السلطة عبر قوانين توفر لهم الحصانة وتمنع محاسبتهم، مما يؤدي إلى تفكك المجتمع وانتشار الفوضى.

ويرى النص أنّ انتشار الظلم لا ينبع من أخطاء عابرة، بل من نكسة حضارية تُحدث فراغًا كبيرًا يسمح بظهور منظومات فاسدة، وهو فراغ لا يملأه إلا مشروع قائم على العدل وإعادة بناء الإنسان والمجتمع بقيم الخير والمساواة. ولذا فإن معالجة الانهيار الحضاري تستلزم تغيير القوانين الجائرة، ونشر ثقافة العدل، وتربية الأفراد على احترام الإنسان دون تمييز، بحيث يكون الحاكم والمحكوم سواءً أمام القانون.

ويستشهد النص بالقرآن الكريم الذي قدّم نماذج عديدة لمحاربة الظلم المقنّن والعادات الاجتماعية الجائرة، مركّزًا على أنّ النبي ﷺ لم يحارب الأفراد في خصوصياتهم، بل واجه ثقافة الظلم حين صارت عرفًا عامًا وهيمنة اجتماعية، مع تعزيز البناء الأخلاقي للنفس الإنسانية وترشيد سلوكها.

كما يشير إلى أنّ الشرائع السماوية، وفي مقدمتها الإسلام، ركّزت على تزكية النفس ومنع الممارسات التي تدمّر العلاقات الإنسانية، مثل التجسس والغيبة والبهتان وظلم الآخرين. ومع ذلك، بقي الظلم ظاهرة عالمية تستدعي حلاً جذريًا يُعيد العدل إلى موقعه الطبيعي.

ويخلص النص إلى أنّ إقامة دولة العدل الإلهي تحتاج إلى قيادة معصومة مؤمنة بالعدل، ممثلة بالإمام المهدي عليه السلام الذي بشّرت به الرسالات السماوية. غير أنّ هذه الدولة تحتاج أيضًا إلى ممهّدين عاملين بالعدل، يرفضون الظلم ويقاومون القوانين الفاسدة، عبر الوعي، والنقد، والرفض، والتوعية، وكشف مخاطر التشريعات الظالمة على المجتمع.

ويعرض النص مثالًا تاريخيًا على تفاقم الظلم من دون تحقق الظهور، مثل الحربين العالميتين وما خلّفتاه من دمار ومآسي، مبيّنًا أنّ انتشار الظلم وحده لا يكفي، بل لا بد من توفر أنصارٍ مُهيئين لحمل مشروع العدل. ومع ذلك، يبقى تقنين الظلم – أي تحويله إلى قانون – من أخطر الأسباب التي عطّلت تحقق العدل الإلهي، وهو ما يستدعي دراسة القوانين الجائرة في الأمم المعاصرة التي كرّست الظلم وجعلته منظومة محمية.

تحميل البحث