الدكتور أحمد الصفار
أنّ الوعي الجمعي ليس حالة ثابتة ولا انعكاسًا طبيعيًا للواقع، بل هو بناء اجتماعي قابل للمغنطة وإعادة البرمجة من خلال الوسائط الحديثة، وفي مقدمتها الأفلام والإعلام والدراما والمنصّات الرقمية. فهذه الأدوات تمتلك قدرة هائلة على إعادة تشكيل التصوّرات والقيم والسلوكيات بطرق غير مباشرة، عبر مخاطبة العاطفة والخيال والغرائز أكثر من مخاطبة العقل، مما يجعل المتلقي يستبطن رسائلها دون وعي. ويسهم هذا التدفق الهائل للصور والرموز في صناعة ثقافة جديدة تؤثر على الهوية وتوجّه الرأي العام وتحدّد ما ينبغي أن يخافه الإنسان وما ينبغي أن يعظّمه وما ينبغي أن يستهلكه، بحيث يصبح الوعي الجمعي مرآة لما يُقدَّم له لا لما يختبره في الواقع.
ومن هنا يشير النص إلى خطورة هذا التأثير حين يتحول الإعلام والترفيه إلى قوة قادرة على فرض قيم وأنماط حياة ومفاهيم جاهزة تُقدَّم كحقائق نهائية. فالنماذج السينمائية، وصور البطل والعدو، ومشهد العنف، والتطبيع مع الهيمنة، والمبالغات المرتبطة بالخوارق، جميعها تصنع بيئة معرفية قد تضلل المجتمعات وتُضعف قدرتها على التمييز النقدي. ويؤكد النص أن حماية الوعي الجمعي تتطلب وعيًا يقظًا، وتربية نقدية، وبناء حصانة ثقافية تُبقي المجتمع مستندًا إلى قيمه الأصيلة، بدل أن يصبح أسيرًا لرسائل موجهة تُصاغ في غرف صناعة الإعلام العالمية.